الشيخ السبحاني
223
رسائل ومقالات
وقبل أن نذكر - بإيجاز - ما قاموا به في مجال صيانة العقيدة الإسلامية في أدوار مختلفة ، نودّ أن نذكر مقدّمة لها صلة بالموضوع وهي : إنّ الدين السائد في الجزيرة العربية - وخاصّة منطقة أُمّ القرى - قبل بزوغ شمس الإسلام كان هو الشرك باللَّه في التدبير والعبادة ، وهذا أمر واضح لا يرتاب فيه ذو مسكة ، وكان العرب في تلك المناطق يعيشون في خِضَمِّ الخرافات ، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية إلى حدّ لا يمكن أن نذكر معشار ما دوّنه المؤرّخون في ذلك المجال ، لكنّا نشير إلى بعض أفكارهم التي بقيت رواسبها في أذهان بعض المسلمين حتّى بعد بزوغ الإسلام : 1 . كانوا يدينون اللَّه تبارك وتعالى بالجبر وسلب الاختيار عن الإنسان ، وكانوا يبرّرون شركهم وعبادتهم للأصنام بمشيئة اللَّه تبارك وتعالى قائلين : « لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ » « 1 » ونظيره قوله : « وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ » « 2 » إلى غير ذلك من الآيات المعربة عن عقيدتهم الراسخة في الجبر وأنّ كلّ المعاصي والمحرّمات بمشيئة من اللَّه سبحانه على نحو تسلب الاختيار عن الإنسان ، وبالتالي فاللَّه هو المسؤول عن أعمالنا لا نحن أنفسنا ، وقد بقيت رواسب هذه العقيدة في أذهان بعض الصحابة ويشهد له ما رواه الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدّث عن فرار المسلمين يوم حنين . قالت : مرّ بي عمر بن الخطاب منهزماً فقلت : ما هذا ؟ ! فقال عمر : أمر اللَّه . « 3 »
--> ( 1 ) . الأنعام : 148 . ( 2 ) . النحل : 35 . ( 3 ) . مغازي الواقدي : 3 / 904 .